مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ في التعليم العالي                  بقلم:أ.د.عبد المجيد السعدي
          منذ أن بدأت البشرية مرحلة التحضر بإنشاء المجمعات السكانية وبدأ معها إنشاء المؤسسات المجتمعية بمختلف أشكالها وأغراضها صار التخطيط للمستقبل سمة حضارية مرغوبة ومطلوبة وضرورية لديمومة تقدم المجتمعات عبر التاريخ. ولكي يتم التخطيط لأي جانب من جوانب الحياة يحتاج الأمر إلى عوامل ثلاثة: الرغبة والمعلومات والثبات. أما الرغبة فأغلب الظن أن المجتمعات البشرية عبر الزمن تطالب وتدعي التخطيط لأغلب أمور الحياة في الماضي والحاضر ولكن وللأسف إن بعضهم يتشدق به ولا يمارسه بل قد لا يعنيه أمر التخطيط أصلاً إنما يدعيه باعتباره أمر حضاري مطلوب مرغوب وله وقع إعلامي جيد على المتلقي أياً كان. ولكي يمكن وضع خطط مستقبلية يحتاج التخطيط إلى جمع بيانات ودراسات عن الوضع الحالي لاستشفاف المستقبل والتحسب له ودفع العملية بالاتجاه المرغوب لتخطي معوقات الحاضر والوصول إلى حالة أفضل من الحاضر مستقبلاً. ولكي يحصل ذلك يكون الثبات والإصرار على تنفيذ ماخطط له أمرا أقرب إلى القدسية منه إلى اختلاف الأمزجة والرغبات الشخصية والفئوية وتقلبات السياسة وما شابه. فلا يجوز أن تنجز دراسات للتخطيط المستقبلي لأي مجتمع ثم تركن على الرفوف تغطيها الأتربة لأن زيد قد تغير وجلس على كرسي المؤسسة عمر وهذا مايحدث في دول العالم الثالث التي تفتقد الثبات والرؤيا الواضحة نحو المستقبل وكيفية الوصول إلى بر الأمان. بل إن التخطيط عملية مستديمة لا تتوقف مادام هناك إنسان يصبو لمستقبل أفضل ومادامت المعوقات والتحديات تجابه هذا الإنسان في حياته اليومية.
         والتعليم العالي جانب مهم جداً من جوانب النشاط العلمي والثقافي والمعرفي لآي بلد ويعول عليه في رفد المجتمع بالآف الخريجين المسلحين بشتى أصناف المعرفة ودرجاتها واختصاصاتها  إضافةً إلى مهام البحث العلمي لحل المشاكل المجتمعية بأنواعها والتنظير لمستقبل البلد في كافة نواحي الحياة. كل هذا العمل الضخم بأهمية البشرية والاقتصادية والحضارية يقتضي التخطيط لتثبيت الأولويات والمسارات والاستثمارات لكافة الموارد المتاحة للوصول إلى الأهداف المنشودة.
         وبعد سقوط نظام الطاغية وتنسم العراقيين عبير الحرية والديمقراطية استبشر المجتمع العراقي بكل شرائحه خيراً للعدول عن نزوات القائد الضرورة بمساهمة أهل الاختصاص والخبراء بأمور التخطيط المستقبلي للمدى القريب والمتوسط والبعيد. حيث أن الأنظمة البرلمانية ترتكز على مبدأ مساهمة الجميع وسماع صوت الآخر وقبوله والابتعاد عن النزعة الفردية وإن كانت تصب في المصلحة العامة، فأهل مكة أدرى بشعابها فالشعب مصدر السلطات وهو يفكر ويخطط وينفذ عبر مؤسسات الدولة الدستورية المتفق عليها والتي صوت عليها الملايين من العراقيين بالرغم من التهديد بالقتل والقصف والإرهاب. ولقد كانت بادرة ذلك انتخاب القيادات الجامعية من رؤساء الجامعات والعمداء وكان ذلك بادرة خير وبركة إلى الدعوة صراحة إلى استقلال الجامعات ومنحها الصلاحيات اللازمة لإدارة شؤونها ضمن ماكان من التوجه نحو صلاحيات الأقاليم التي وأُدت بعد ذلك! والعجيب في الأمر أن الأمر انكفأ إلى نقيضه فبدل المطالبة والتوجه الشعبي والإعلامي لاستقلالية الجامعات حصل مايناقض ذلك فقد كبلت الجامعات العراقية بتعليمات وأنظمة وقوانين حدت من أي مجال ولو ضيف بحركتها ضمن المتوفر مما مضى من صلاحيات وصارت الوزارة تسيرها عن بعد وتحولت إلى جهات منفذة لا حول لها ولا قوة  ولا صلاحيات مما أعاق تطورها وزاد طين تخلفها بلة كون الوزارة هي الأخرى تتجاذبها قوى متعددة وتوجهات وآراء واستراتيجيات مختلفة بحيث وصل الأمر إلى إصدار تعليمات خلال أسبوع يناقض بعضها بعضاً مما أربك العمل فيها وصارت قرارات مجالس الجامعات لايعتد بها من قبل موظفي الجامعة نفسها لأن للموظف مرجعية أخرى غير جامعية وهي في بغداد! وبعيداً عن الأسباب التي دعت الوزارة لمثل هذه الأمور سواءً كانت أمنية أو سياسية أو غير ذلك إلا أن المحصلة الحد من إمكانية تطوير الجامعات ودفع عجلة تقدمها إلى الأمام بالرغم من الموارد المالية التي تم استثمارها والجهود المضنية التي يبذلها المنتسبون غير أن قيد التحكم عن بعد من قبل الوزارة قد عطل هذه الجهود وصارت الأمور إلى أن رئيس الجامعة لا يمتلك الصلاحية لتعيين عامل فيها! في حين أن الدول المتقدمة تمنح رئيس القسم في أي كلية صلاحية تعيين تدريسي فيه! والأمر والأعجب في ذلك صعوبات الصرف المالي وعراقيلها الإدارية التي لاتنتهي مما يعيق عملية البحث العلمي ويقيد الأستاذ وطالب الدراسات العليا ويأخر عملهم من أجل شراء مستلزمات البحث حيث السطوة للمحاسب والمدقق وليس لصاحب الشأن!
       وعلى حد علم كاتب هذه السطور فان نغمة القضاء على الروتين في العمل الحكومي يسمعها العراقيين منذ عام 1958 وكلما تغير نظام صرح قيادي النظام الجديد بضرورة القضاء على الروتين في حين أنهم يزيدون الروتين قوانين وتعليمات وأوامر إدارية. فان كان الفساد الإداري والمالي هو السبب في كل هذه القيود فالأجدر منح صلاحيات ومراقبة ومحاسبة الناس من قبل قياداتهم العليا وليس امتلاك الصلاحيات بكاملها وتحويل ذوي الشأن إلى منفذين لا حول لهم ولا قوة لهم! إن الاستمرار بالتوجه للمركزية القاتلة سوف لن ينفع التعليم العالي ولن تتقدم جامعاتنا ولن تلحق بركب الجامعات المتقدمة مالم تمنح الاستقلالية لاتخاذ القرارات والمقدرة على تنفيذها وبدون ذلك فستبقى جامعاتنا خارج جامعات الصفوة (الخمسة آلاف أو الخمسة مئة أو المئة) في العالم التي يعلن عنها كل عام وسيبقى منتسبوها موظفون يؤدون أعمالهم كما هو حال أي دائرة حكومية أخرى وبذلك يقتل الإبداع وتتراجع الهمة والحماس بل وحتى الإخلاص بالعمل!
      ومن الأمور الملفتة للانتباه وجود وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التكنولوجيا في دولة مثل العراق الذي يشكو من أبسط مقومات الخدمات والحياة العصرية التي ماوصلت إليها الشعوب إلا عبر البحث والتطوير. غير أننا ابتلينا بأمور أقلها عدم استشارة الخبير وفقدان التخطيط وعدم الثبات عليه والتحولات السياسية التي تطال كل مفصل من مفاصل المجتمع. فهل يوجد في الدول المتقدمة وزارة تعليم عالي؟ وإن كان البحث العلمي هو الهدف الرئيسي الثاني لوزارتنا فأين ميزانيته ولماذا كل هذه المعانات للحصول على الجهاز العلمي ألمختبري أو المادة الكيماوية أو أي مستلزم في حين أن مشاكلنا على الأعم الأغلب قد تم حلها في مجتمعات أخرى منذ أكثر من مئة عام فلماذا إعادة اختراع العجلة كل صباح؟ ولماذا لا نستعير طرق وأساليب وتقنيات حل المشاكل من المجتمعات التي تخطت حلها منذ سنين طويلة؟ أليس الأجدر بنا أن نهتم بنقل التكنولوجيا ونطوعها لظروفنا وبعدها نحاول تطويرها عبر البحث العلمي؟      
       التخطيط التزام وإلزام يرتكز على إيمان ورغبة وثبات وإصرار على تنفيذ ما توصل إليه أهل المعرفة من المخططين وهو دين في أعناق المنفذين الذين يريدون الخير والتقدم لبلدانهم بعيداً عن كل الأهواء والتجاذبات الشخصية والسياسية والعرقية والقومية والعشائرية والمناطقية، بل خالصةً للوطن وأهله جمعاء.........